ابن الجوزي
116
أخبار الظراف والمتماجنين
كان أبو الحسين بن المتيم الصوفي يسكن الرصافة ، وكان مطبوعا مضحكا ، وكان دائما يتولع برجل شاهد فيه غفلة يعرف بأبي عبد اللّه الكيا ، قال ابن المتيم : فلقيته في شارع الرصافة فسلمت عليه وصحت به لتشهد عليّ فاجتمع الناس علينا . فقال : بماذا ؟ قلت : إن اللّه تعالى إله واحد لا إله إلّا هو ، وإن محمدا عبده ورسوله ، وإن الجنة حق ، والنار حق ، والساعة آتية لا ريب فيها ، وإن اللّه يبعث من في القبور . فقال : أبشر يا أبا الحسين سقطت عنك الجزية ، وصرت أخا من إخواننا فضحك الناس ، وانقلب الولع بي . استأجر رجل رجلا يخدمه ، فقال له : كم أجرتك ؟ قال : شبع بطني . فقال له : سامحني . فقال : أصوم كل اثنين وخميس . قال الجاحظ « 1 » : كنت مجتازا في بعض الطرق ، فإذا أنا برجل قصير بطين كبير الهامة متزر بمئزر ، وبيده مشط يسقي « 2 » به شقة ، ويمشطها به فاستزريته فقلت : أيها الشيخ قد قلت فيك شعرا ، فترك المشط من يده ، وقال : هات . فقلت : كأنك صعوة « 3 » في أصل حشّ « 4 » * أصاب الحش طش بعد رشّ « 5 » فقال لي : اسمع الجواب . قلت : هات . فقال : كأنك كودن « 6 » في ذنب كبش * يدلدل هكذا والكبش يمشي
--> ( 1 ) الجاحظ : هو أبو عثمان عمرو بن بحر بن محبوب الكناني ، من أعلام الأدب ، رئيس فرقة الجاحظية . توفي سنة 255 ه . ( راجع ترجمته في وفيات الأعيان ؛ ولسان المزيان ؛ وتاريخ بغداد ؛ والأعلام ) . ( 2 ) سقى الثوب : صبغه . ( 3 ) الصعوة : صغار العصافير . ( 4 ) الحشّ : المرحاض . ( 5 ) الرش : أول المطر ، وبعده الطشّ . ( 6 ) الكودن : البغل الهجين .